@article{article_20621, title={التاريخ عند بديع الزمان سعيد النورسي دراسة في التمثل والتفسير}, journal={النور للدراسات الحضارية والفكرية - AL-NUR Academic Studies on Thought and Civilization}, volume={8}, year={2013}, url={https://izlik.org/JA46ST26PN}, author={بكور محمد}, abstract={بكور التاريخ عند بديع الزمان سعيد النورسي دراسة في التمثل والتفسير محمد بكور1 "إن أساس مسلكي منذ أيام صباي –ولا فخر– إزالة الشبهات التي تلوث حقائق الإسلام سواءً بالإفراط أم بالتفريط، وصقل تلك الحقائق الألماسية. والشاهد على هذا تاريخ حياتي في كثير من حوادثه".2 مقدمة: عاش النورسي في لحظة تاريخية حرجة من تاريخ الأمة الإسلامية، بلغ فيها تأثير الثقافة الأوروبية أوجه، فكان تأثيرها في نفوس المسلمين جليا. وزاد هذه الثقافة سحرا وتأثيرا الانتصارات القوية التي حققتها الأمم الأوروبية في العالم عموما وفي أراضي المسلمين خاصة. وكان انتصار الأمم الأوروبية على الدولة العثمانية مركز الخلافة الإسلامية ضربة موجعة لكل المسلمين، جعلت كثيرا من أبناء المسلمين تلتهمهم الشكوك حتى مست أقدس مقدساتهم وهو إيمانهم بالله وبالآخرة. وهكذا أصبح الإسلام يحارب بالسلاح المادي والمعنوي من قبل الأعداء الخارجيين، ومن قبل شرذمة من أبناء المسلمين من ضعاف النفوس الذين مالوا بكليتهم إلى مدنية الفلسفة المادية وتجار الكفر والإلحاد، فأصبحوا نوابا عنها في نفث سمومها وبث ادعاءاتها. كانت تركيا أسرع البلدان الإسلامية في سيرها الحثيث نحو اللائكية المتطرّفة القائمة على اجتثاث الدين من الضمائر والنفوس والقلوب والعقول، لأجل الخلوص إلى إنكار حقائق الدين. وتأكيدا لرجحان اختياراتهم والبرهنة العملية على صحّة آرائهم، استغلوا ارتباط السلطة السياسية السابقة "المستبدة" بشعار الخلافة –التي لا تخفى ملامحها الدينية– تشنيعا عليها، فأظهروا أنّها خضعت للاحتلال الأجنبي وخنعت له، وما قاد المقاومة غيرهم، فكأنّ المقاومة لن تكن على غير أيدي اللائكيين والقوميين، والانتصارات كانت نسيج أيديهم، وواقع هذا شأنه كما يتصوّرون مهيّأ لقبول الفلسفة المادية واستبعاد الإيمان من الحياة، بسحب تقديرهم. لم يكن النورسي بعيدا عن هذا المخاض، فامتلك عليه ما يحاك للإيمان من مؤامرات –تشيب هلا الولدان– أنفاسه، فكان أوضاع الأمّة بداية القرن العشرين دافعا قويا للتفكير في مسالك جديدة للاستئناف حمل لواء الدفاع عن قدسية الإسلام، ومصدره الرباني، ودوره في النهوض الحضاري للأمم الإسلامية. أبدع النورسي، خلال حياته الطويلة والحافلة، خطابا تجديديا راقيا بقصد إثبات صدق الرسالة المحمدية والدفاع عن جوهر الإيمان. وتعتبر رسائل النور بحق عملا رائعا أنقذ إيمان الإسلامية في تركيا، وبها يسعف سائر المسلمين كانت علاقة النورسي بالتاريخ إذن، من حيث هو صيرورة أحداث ووقائع، قوية للغاية. فقد كانت المرحلة التي عايشها بحق لحظة انكسار تاريخي عنيف خلخل كل مقومات الأمة بلا استثناء، وأصبح ما كان يشكل كينونة الأمة وقوامها عبر التاريخ محل تساؤل بل رفض وتطاول. ولكون النورسي كان عالما ومثقفا وسياسيا ومصلحا، وشارك في مختلف مفاصل الحياة الاجتماعية والسياسية والدعوية، فقد اكتسب وعيا تاريخيا عاليا ومكثفا. وكان من حسن ألطاف الله أن زوده بحاسة إيمانية مرهفة جعلته يرى واقع الأمة من خلال عينين: عين التجربة والخبرة والاطلاع، وعين التوفيق الرباني والكشوفات الرحمانية. مشكلة البحث: أثناء قراءتي السريعة لكليات رسائل النور لاحظت أهمية دراسة البعد التاريخي ضمن هذا الخطاب التجديدي، وعناية الأستاذ بالبعد التاريخي كان تبعيا ولم يكن أصليا، فالنورسي لم يصنف في التاريخ، ولكن المادة التاريخية كانت حاضرة بشكل لافت للانتباه، وكان حجم تحصيله من المادة تاريخية ليس قليلا، فقد نقلت مصادر التعريف به اعتكافه في مدينة وان على مطالعة العلوم المختلفة ومن بينها التاريخ.3 وكان حضور المادة التاريخية مركزيا في رسائل النور. لأجل بيان حضور المادة التاريخية في رسائل النور، آثرت الاستقصاء قبل الفصل في الحكم بنسبة حضور المادة التاريخية في رسائل النور، ذلك أنّ الخطاب النوري يكتنز في العمق ما يجعله عصيا على الاستنتاجات المتسرعة، فاحتاج الأمر تنقيبا عميقا يتغيى كشف نسق هذا الخطاب وإدراك آلياته. كشفت القراءة المتأنية أن رسائل النور جميعها هي جواب فكري وسلوكي عن سؤال تاريخي عميق: ما الذي دهى الأمة الإسلامية حتى انكفأت على نفسها ورضيت بالزاوية الهامشية من التاريخ الإنساني؟ وكيف السبيل للنهوض الحضاري وإعادة الحق والعدالة إلى نصابهما؟ يسعى هذا البحث إلى تتبع حضور الوعي التاريخي عند النورسي ورصد تحولاته من جهة، ومن جهة ثانية الكشف عن تمثلاته للتاريخ وأدواته التفسيرية لحركية المجتمعات البشرية. لتحقيق ذلك نقترح تقسيم الموضوع إلى ثلاثة عناصر: 1- في حضور الوعي التاريخي عند النورسي. 2- في مستويات التمثل التاريخي عند النورسي. 3- في تفسير التاريخ عند النورسي. I- في حضور الوعي التاريخي عند النورسي: نستطيع القول إن عصر النورسي يمثل بحق ذروة دركات الانحطاط التي بلغها العالم الإسلامي عبر تاريخه الطويل، فبالرغم من الهزائم الكثيرة التي مني بها المسلمون في المشرق أو المغرب والأندلس... فإن هزائم القرنين التاسع عشر والعشرين رافقها غزو فكري كثيف للحضارة المتغلبة التي أثبتت غلبتها بتفوقها المادي، وسعت للهيمنة على كل المعمورة، فنتج عن ذلك انبهار غير مسبوق لكثير من أبناء المسلمين بالمدنية الغربية. نشأ النورسي في شرقي الأناضول داخل مجتمع كردي متشبث بإسلامه وتقاليده. كانت أسرته بسيطة، وكان أبوه رجلا صوفيا مقبلا على العبادة وأعمال الفلاحة. تلقى تعليمه في المدارس الدينية بهذه المنطقة. ولم تكن هذه المدارس تتيح لطلابها أكثر من العلوم الدينية واللغوية التقليدية المعزولة تماما عن الواقع المعيش. كان النورسي شديد الذكاء، ملّكه الله ذاكرة قل نظيرها في الحفظ والفهم. ولم يكن ليقنع بهذا التعليم، لأنّه لم يكن في مستوى طلعات الأمة، فسعى بإرادته الفردية للمشاركة في العلوم "الدنيوية" الجديدة منها والقديمة. "إنّ كمّ الكتب الهائل الذي قرأه سعيد، وحفظه عن ظهر قلب، واستوعبه خلال تلك الفترة القصيرة، قد أظهر قدرته الفائقة على الحفظ، وذكاءه وفهمه غير العاديين. وكان عمره آنذا}, number={8}