الإصدارات
قراءة في كتاب: فقه المقاصد والحكم في فكر بديع الزمان النورسي.
دار النشر: شركة سوز للطباعة والنشر. الطبعة: الأولى (2009).
أصل المصنف أعمال ندوة علمية أكاديمية بمشاركة مجموعة من العلماء والباحثين.
عقدت كلية الشريعة بجامعة القرويين بالمغرب بتعاون مع مركز بحوث رسائل النور بإسطنبول ندوة دولية تحت عنوان: "فقه المقاصد والحكم في فكر بديع الزمان النورسي"، بمدينة أكادير وذلك بتاريخ 5-6 ربيع الأول 1429 الموافق لـ 13-14 مارس 2008 وقد شارك في هذه الندوة مجموعة من الأساتذة والباحثين في مجالات علمية متنوعة وتخصصات متعددة، والكتاب الذي بين أيدينا يمثل مجموعة الأبحاث القيمة والمتكاملة التي قدمت في هذه الندوة الدولية العلمية، حضرها مجموعة من الأساتذة من أقطار مختلفة على رأسها أعلام وباحثون من البلد المضيف المغرب وحضر من الجزائر أ.د. عمار جيدل، ومن تركيا ذ. إحسان قاسم الصالحي وذ. علي قاطي ئوز ومن النيجر د. محمد حمد كنان ميغا ود. عبد الرحمن محمد ميكا وأ.د. عبد الرزاق عبد الرحمن السعدي من ماليزيا وذ. ماهر الهندي من سوريا وآخرون.
لا يسمح التعريف بالكتاب عرض مضامين كلّ البحوث التي ألقيت في الندوة الدولية، لهذا سنكتفي بقراءة مختصرة لبعض منها، ولعلّ من مسوغات اللجوء إليها تداخل موضوعاتها وكثرتها فضلا عن تشعب تفاصيلها. ركّزنا في التعريف في العرض على الإختصار، غير المخل.
تم افتتاح الندوة يوم 5 من ربيع الأول 1429 الموافق لـ 13 من مارس 2008 بآيات بينات من الذكر الحكيم، أحيلت الكلمة بعدها إلى السيد رئيس جامعة القرويين د. علي الصقلي فرحب في البداية بالسادة الحاضرين من أساتذة وعلماء وجمهور، وعبّر عن سعادته لتنظيم مثل هذه الندوات العلمية وتشريف شخصيات من مختلف الدول الإسلامية، مما يؤكد وحدة الثقافة الإسلامية، وأنّ الاهتمام بالشعوب الإسلامية وقضايا الأمة قسط مشترك بين مجمل الفاعلين في المشهد العلمي والدراسات الأكاديمية في العالم الإسلامي، فسعوا جاهدين إلى إبراز مكانتها التي تستردها ما نسجت على منوال أسلافها في صناعة ماضيها المجيد، وأشار إلى أن مثل هذه اللقاءات العلمية هي تعبير عن جهود جبارة ترمي إلى توحيد صفوف الشعوب الإسلامية وتعزيز تعاونها وتآزرها فيما بينها. وأن التعاون على تنظيم مثل هذه الفعاليات العلمية المباركة تأكيد للعمل على ترسيخ أصول الشريعة الإسلامية والسعي إلى الحفاظ على التراث الإسلامي، وذلك بدراسة ما أنتجه علماؤنا ومفكرونا، وندوتنا العلمية خير مثال على رصد اهتمام العلماء. وختم كلمته بتجديد الشكر والترحاب لمؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم والضيوف الوافدين من مختلف البلدان الإسلامية ومن مختلف جهات المملكة وجميع الذين ساهموا وقدموا الدعم لإنجاح هذه التظاهرة الفكرية.
بعده تناول الكلمة السيد عميد كلية الشريعة أ. د. الحسين أفا، إستهلها بتقديره وشكر الأساتذة والباحثين القادمين من خارج الوطن ومن مختلف الجامعات المغربية على استجابتهم لدعوة المشاركة في هذه الندوة العلمية وكافة الضيوف الكرام، كما ذكر أن هذه الندوة تدخل في إطار البرنامج العلمي الموازي للعمل الأكاديمي الذي سطرته الكلية، ويندرج هذا النشاط ضمن اهتمامات القائمين على شأن البحث العلمي، حرصا منهم على العمل العلمي الجاد في بعده الثقافي العام المتجلي في الأنشطة الثقافية، كما يعد هذا النشاط من مظاهر حرص الكلية الشديد على تهيئة الظروف وتوفير الوسائل المتاحة لتحقيق الهدف المتوخى من دعم الثقافة الإسلامية والبحث في العلوم الشرعية. ويقصد من كلّ ذلك الحرص على التواصل الفكري والتعاون المشترك بين جامعة القرويين ومؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم، وتجلى هذا المسعى في بعث الاهتمام بأفكار الشخصيات المرموقة والتنويه بالجوانب المشرقة من فكرهم وتسليط الضوء على سيرهم ومسارات حياتهم، ورأس الشخصيات التي نحتاج العناية بها الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي (رحمه الله)، ولتحقيق هذا القصد ثم اختيار موضوع فقه المقاصد والحكم في فكر هذا العالم الجليل والمفكر الفذ والداعية المتميز، وهو ما سيكشف عنه الباحثون والأساتذة الأجلاء في بحوثهم القيمة، وفي الختام دعا بالتوفيق والنجاح لهذه الندوة وتجديد الشكر لكل من ساهم من قريب أو بعيد في إنجاح هذه الندوة العلمية.
ثم أخذ الكلمة رئيس اللجنة التنظيمية أ.د. عبد الكريم عكيوي، وأشار في مستهل كلمته المجملة إلى المشترك الثقافي بين المغرب وتركيا وحصول قصب السبق لكلا البلدين وذلك بشرف الفتح المبارك؛ فتح بلاد الروم على يد محمد الفاتح من جهة الشرق وفتح لبلاد القوط على يد طارق بن زياد من جهة الغرب، فلئن توقفت الفتوحات البشرية للضفة الأخرى؛ فقد تعاقبت الفتوحات النورانية التي عن طريقها عبرت الفتوحات النورانية "رسائل النور" فعمّت الكون، ساعية بذلك إلى إيقاظ أوربا من غفوتها وجهلها، فقد كان الفضل الأكبر للمسلمين في إيقاظ القارة العجوز من سباتها العميق، فاقتبست من حضارة المسلمين ما مكّنها من بناء مدنيتها أو حضارتها، وبالرغم من استفادتها من الحضارة الإسلامية، إلاّ أنّها بقيت جافة عنيفة خاوية من الروح، تطغى عليها المادة، مما جعل القدر يبتعث مجددين ينبهوا الأمة الإسلامية ويجددوا أمرها الديني ومن المجددين الأقحاح الأستاذ سعيد النورسي، قيّضه الله لينقذ الأمة من ضعف إيمانها، ويمسح عن القرآن الكريم ما لحقه من الغبار بسبب الإهمال والنسيان، ويعود بالناس إلى طريق الحق والصواب، وقد آثرت هذه الندوة أن تستعيد الذاكرة وتذكر بفضل هذا الرجل الصالح الذي وهب حياته وكرس وقته للقرآن الكريم، فاختارت الندوة أن تقارب تجربته الحياتية مقاربة علمية استعادة لأفكار الرجل العلمية والعقدية والشرعية والتربوية والإجتماعية... كل حسب تخصصه من جهة وخدمة للمسار العلمي للكلية من جهة أخرى، خاتما كلمته بتقدير الجهود وشكر الحضور ورجاء عموم النفع والفائدة.
وبعد استراحة قصيرة استأنفت الجلسات بالمداخلة الأولى أ.د. عبد الكريم عكيوي من كلية الآداب بجامعة ابن زهر بالمغرب، تحت عنوان: "إعتبار المآل واستشراف المستقبل عند بديع الزمان النورسي"، وأراد الأستاذ عكيوي من هذا العرض أن يكشف عن المنهج في المعرفة الإسلامية ويبرز معالمه عند الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، وانتهى فيه إلى أنّه منهج متكامل شامل للعلم والعمل استخلصه من خبرته الطويلة في الحياة ومن خلال إدمانه تدبر القرآن الكريم ونظره السديد والثاقب في السنة النبوية الشريفة، ومما عاناه في حياته من مجاهدات في مواجهة القضايا التي اعترضته والخطوب التي واجهته، وقد اتضحت معالم هذا المنهج متكاملة في رسائل النور التي هي تفسير معنوي للقرآن الكريم، والتي هي خلاصة كل ما استفاده من درر القرآن، وهو حوصلة تدبره وزبدة تمعنه في كتاب الله الحكيم وفق نظرة معاصرة. ومن أهم وأبرز معالم منهجه مسلكه الفريد في تدبر الكتاب الحكيم واستخراج دقائق الأمور المنوطة بالحكمة والرؤية السديدة. إنه منهج التدبر في حقائق الحياة والكون فهو بالنسبة له منظومة متكاملة من الذرات إلى المجرات تلهج بذكر الله وهي ألسنة ناطقة بالتوحيد ووجوب وجوده سبحانه وتعالى. وسعي بديع الزمان واضح في معرفة الحكمة من كل شيء وأن ليس هناك شيء عبث في الوجود بل هناك غاية وهدف وحكمة من كل المخلوقات ولها، هذا ما يعبر عنه باعتبار المآل وهو علم تطرق إليه علماء السلف خاصة عند علماء أصول الفقه. حيث اصطبغ بصبغة أصول الفقه فظهر كأنه منهج مقصور على النظر في خطاب الشارع وقد وضع الأئمة هذا الأصل بعد تدبر نصوص الوحي وتتبع موارد الأحكام، ولهذا كانت مآلات الأفعال وما يترتب عنها في العاجل والآجل محل نظر وموضع عناية عند المجتهدين. وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للفقهاء فإن النورسي منحه صفة العموم والشمول فجعله منهجا في الحياة كلها، اعتبار المآل في فقه الخطاب الشرعي وتنزيله على محله: ومنها مثلا عزوفه عن الزواج حيث قال: في الوقت الذي يلزم لصد هجوم زندقة رهيبة، جثمت على صدور أمتنا منذ أربعين سنة، فدائيون يضحّون بكل ما لديهم، قررت أن أضحي خدمة لحقيقة القرآن الكريم... لأجل أن أتمكن من القيام بخدمة القرآن على وجهها الصحيح بإخلاص حقيقي، ما كان لي بد من ترك زواج الدنيا الوقتي –مع علمي بأنه سنة نبوية- بل لو وهب لي عشر من الحور العين في هذه الدنيا، لوجدت نفسي مضطرة إلى التخلي عنهن جميعا، لأجل تلك الحقيقة حقيقة القرآن. ولم يتوقّف الأمر عند النمط المشار إليه، بل جاوزه إلى النظر في اعتبار المآل في التربية والسلوك، فشغلت الأستاذ بهذا الصدد مسألة الزمان حيث لا قرار ولا ثبات لأحوال هذه الدنيا، والفائدة التي أقامها النورسي على هذه الحقيقة في مجال التربية والسلوك هي أن كل لحظة من لحظات حياة الإنسان تتوقف في صفتها على المستقبل، لذلك كثيرا ما تجده يتحدث عن المآلات كأنه يراها في شاشة معنوية منصوبة أمامه، فلا يكاد يذكر الشيء إلا مقرونا بمآله، فالقوة مآلها الضعف والغنى مآله الفقر والشباب مآله الهرم والشيخوخة والحياة مآلها الموت وهكذا، والغرض المقصود من هذا كله أن يحصل الجمع في التفكير بين الحال والمآل، وفي هذا المعنى، قال (رحمه الله): "وحسب قاعدة كل آت قريب فإن مشاهدة ما سيأتي كأنه آت الآن تنطوي على حقيقة، فما شاهدته إذا ليس خيالا". كما تجلى الاهتمام به المسألة من خلال عنايته باستشراف المستقبل: عن طريق التدبر في أحوال الحاضر وتحكيم سنن الإجتماع وقوانين المعاش، ومحاولة الاهتداء إلى ما تؤول إليه الأحوال، وخَلُص إلى أن التغيير المنشود لن تكتحل به عينه، ذلك أنّ رؤيته وشهوده مستبعد في زمانه، وسيقع بعد عصره، فجعل غايته أن يبذر بذور الربيع؛ وبهذا يكون قد أبدى علما بما سيقع في مستقبل الأيام، بعد معرفة ما يحاك للأمة من مؤامرات، وما يوضع في طريقها من فخاخ، علم ذلك بفطرته السليمة، وبناء على ما علم، عمل على دفع المؤامرات، وإنقاذ إيمان الأمة من وهدة الضعف، أي أنه بدل سلوك طريق المواجهة، آثر العمل في صمت وثبات في إصلاح ما عمل على تخريبه الآخرون، قال الأستاذ: "لا حيلة لي إلا أن أبذر بذور الربيع القادم الذي لا يريد أن يبصره هذا العصر، وحين تنبت هذه الزهور وتتسنبل ويأتي ربيعها أكون قد فارقت الدنيا، لكني سوف أتنسم نسمات ربيع الإسلام وأنا راقد في قبري". أليس هذا استشرافا للمستقبل في الدعوة والفكر. لقد ذكر الأستاذ بعض معالم اعتبار المآل واستشراف المستقبل في مجال فهم الخطاب الشرعي وتنزيله على محله، وبيّن في هذا السياق المراد بالتحديد، وهذا غيض من فيض، أما البقية فهي في رسائل النور مبثوثة كثيرة.
ثم جاء الدور على أ.د. عمار جيدل وهو من جامعة العلوم الإسلامية بالجزائر، عرض في ورقته موضوعا بعنوان: "أهمية بحث المقاصد في بعث الفعالية الإيمانية في رسائل النور"، استهل تدخّله بالتأكيد على أنّ رسائل النور موسوعة في بيان مقاصد القرآن الكريم، فكانت رسائل النور، بحسب المحاضر، مخزنا ثريا في الدلالة على المقاصد في كلياتها وتفاصيل جزئياتها المتعلقة بشعاب الحياة، تطرق في بحثه إلى بيان أهمية بحث المقاصد في بعث الفعالية الإيمانية في رسائل النور، حيث اعتبر المحاضر ترسيخ الإيمان وتقويته مقصدا رئيسا في رسائل النور، ولكنّه ليس إيمانا من النمط المتداول إنّه يتجاوز الإيمان التلقيني، مؤسسا به مسلك العروج بالناس إلى الإيمان التحقيقي الذي به يتم العمل بالمقاصد وأبعادها الإيمانية، كما أن المقاصد تجلي طريق العروج إلى الآخرة وتوضح معالمها، من هنا وجب أن تكون محل عناية تحقيقا لتبليغها وحماية لوجودها في القلوب والعقول، وفي ذلك أجلى دليل على الأهمية النفسية لمعرفة المقاصد، فمنها نستمد الدافع النفسي القوي للاستزادة من كلّ ما من شأنه جلب رضا الرحمن، إذ العلم بالغاية يزيد شوق المحصل، لهذا كانت أهمية المقاصد الجليلة عظيمة في شحذ الهمم، ومن مظاهر البعد النفسي في درس مقاصد رسائل النور أن العمل بالمقاصد يدفع إلى التضحية ويمتّع الملتزم بها بتحمّل أعبائها، ثم انتقل المحاضر إلى بيان الأهمية الحضارية للتعرف على المقاصد، فهي مبعث التشجيع على العمل والبذل المستمر حيث تحفز صاحبها عقلا وقلبا على البذل المستمر وذلك بالاستعداد للآخرة، وهذا يتأتى من خلال محاور منها: إيجاد دافع التضحية من خلال ترك كل ما تقطر منه الحسرة والضيق وإبداله بكل ما يبشر بالخير والفرح، ومنها أيضا: تحمل تبعات السير في مسلك الإيمان: حيث تعطي للمرء قوة داخلية تدفعه إلى التحمل، كما تكمن أيضا في التطعيم أو التحصين ضد الغفلة العامة إذ إن الحكمة المترتبة عنها تدفع الغفلة كما ترتبط القناعات المستفادة من المقاصد الشرعية بحكم لا حصر لها، فضلا عن مساهمة المقاصد في صناعة الوعي الإيجابي بحيث يكون المقصد شاحذا للهمم ومنشطا للعزائم، فبقدر علو المقصد تتعالى همّة الإنسان، ويبدو ذلك من خلال تنبيه المخاطب حيث يتميز النورسي باستعمال النصيحة مازجا فيها بين مخاطبة العقل والقلب، فيخاطبه في ضوء المقاصد التي يتوخى خالقه تنبيهه إليها، وأما بالنسبة للتخلق بالأخلاق الإلهية فإنها تسعف صاحبها على تبني الغاية القصوى للإنسانية التي تتجلى في التحلي بالسجايا السامية والخصال الحميدة التي يأمر بها الله تعالى، وأما التنبيه العلمي والمنهجي الذي ينضوي تحته الكشف عن أهمية الكتاب الكريم، فإن المقاصد فيه ترمي إلى إعادة الإعتبار للقرآن الكريم، إذ العلاقة بين المقاصد ومصدرها الأصلي وثيقة لا تنفك، وأما التنبيه إلى البعد المنهجي فإن رسائل النور ترمي في مقاصدها الفرعية إلى التربية المنهجية لطلابها وترسيخها وتركيزها في المجتمع، وأما السننية في التفكير فهي توأم التفكير المنهجي حيث يتم النظر بعيني العقل والقلب في المقاصد كالامتثال والطاعة لقانون التكامل والرقي للصانع الجليل، وعدم اتباع قانون السننية غفلة عظيمة عن سر الحكمة الإلهية في الوجود، فهذا يجعل المرء ينظر إلى الكون رؤية حكيمة ويسهل عليه تفسير سير الحياة وتنظيم الكون واستيعاب نشأته ومصيره، كما أن للمقاصد أهميتها في التأسيس للبعد الإجتماعي من خلال الكشف عن قيمة الإنسان، ومن حيث كونه طريق جلب السعادة الدنيوية، وكونه عنصر القوة المادية والمعنوية، ومن خلاله يتم اكتشاف حكمة وظيفة الإنسان على الأرض، وكذا التعرف على تلك الحكمة في إطار رؤية مقصدية.
ثم انتقل إلى الحديث عن مفسدات فاعلية المقاصد وبين أن الإنسان لايمكن له أن يستفيد من معرفة المقاصد مع عدم تحرره العقلي والقلبي من المكدرات المعنوية والمادية، حيث لا يتمكن الإنسان مع المنغصات والمكدرات أن ينظر نظرة صافية للكون والمخلوقات، وعرض في هذا السياق تمثيلا، مفاده أنّ نظر الإنسان إلى الكون من زاوية الشرك يبطل انتفاعه ويفسد استفادته، حيث إن الشرك يفسد كل الغايات ويبطل كل المقاصد ويصرف النظر عنها بل يوجه النظر إلى الأسباب ويركز عليها، وهذا ما يعادي التوحيد. وكذا حصر الهمة في الإستفادة الشخصية حيث إن الكون يقوم على التعاون والتكامل، لهذا تستحيل الاستفادة الاجتماعية من معرفة المقاصد إذا فني المستفيد، كما أن التعلق بالدنيا ومفاتنها يمنع رؤية المقاصد والاستفادة منها بحيث يحسب أن العلة الغائية في الحياة وبقائها.
ثم عرضت ورقة د. محمد حمد كنان ميغا من الجامعة الإسلامية بالنيجر الموسومة بـ: "اللذة والألم في فكر بديع الزمان سعيد النورسي"، وفي سياق كلامه عرف مفهوم اللذة والألم، وأنهما من المتقابلات والثنائيات المتناقضة التي عرض لها النورسي في رسائله مثل الجنة والنار والهداية والضلالة والسعادة والتعاسة والحياة والموت، وأن اللذة عبارة عن المنفعة والمصلحة، وتضمنت الورقة بيانا لما نهجه النورسي في تحليلاته للمتقابلات الواردة في القرآن الكريم، أبرز الباحث حقيقة اللذة والألم والطريق إليهما في فكر النورسي، حيث إن الضلالة تعتبر صورة مصغرة للجحيم المعنوي للكافر في الدنيا وإن بدا للناظر أنه في رفاه ونعيم وأن في الإيمان نعيما معنويا في الدنيا أيضا بالرغم من الضيق والشقاء الذي قد يصيب المؤمن، ثم تطرق في معرض بحثه إلى اللذة والطريق إليها في فكر النورسي، وبين العرض أنّ الأستاذ قسّم اللذة إلى قسمين لذة دنيوية وهي قليلة وآنية وقصيرة الأجل فلا ينبغي للعاقل أن ينحاز إليها بكليته، واللذة الأخروية الدائمة. أما الطريق إليها فلا يتحقق إلا بالإيمان بالله وحده، فهو الذي يضمن للإنسان تلك اللذة الدائمة. أما الألم عند النورسي فهو المضرة والمفسدة وهو بدوره ينقسم إلى دنيوي وأخروي مثل اللذة تماما، وآلام الدنيا كثيرة منها آلام الماضي وآلام الحاضر والمستقبل والآلام الناتجة من زوال اللذات... والطريق إليه في فكر النورسي هو ضد الطريق المؤدي إلى اللذة ألا وهو الكفر، لذلك يرى النورسي أن الكفار يعيشون في جحيم معنوي وإن بدا للناظر أنهم يتمتعون بنعيم الدنيا.
ومن الورقات البحثية التي عرضت في الندوة ما تقدّم به الباحث السوري ماهر الهندي من معهد جمعية الفتح الإسلامي بدمشق العاصمة السورية، فكان عنوان بحثه: "مقاصد الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها في منهج بديع الزمان النورسي"، عرّض الباحث في مستهل ورقته بمقاصد الشريعة، فذكر أنّها تمثّل أصولها الكبرى وأسسها العظمى وأركانها التي لا تبلى، وبناء عليها يكون الحكم على فروعها المتغيرة حسب الزمان والمكان مراعاة لحالة الإنسان. كما تطرق في بحثه إلى تعريف علم المقاصد باعتباره علما يعنى بالغايات التي راعاها المشرّع في التشريع أو هي المعاني والأهداف الملحوظة للشارع في جميع أحكامه أو معظمها، وأشار إلى تاريخ هذا العلم وسرد مراحله من مرحلة النشأة والتكوين إلى مرحلة التحول والتدوين ومنها إلى مرحلة الإكتمال والنضج. ثم انتقل إلى الحديث عن فوائد هذا العلم والتي جمعها في أربعة عُمد: العلم بها يشير إلى الكمال في التشريع والأحكام، وثانيها أن العلم بها يفيد معرفة مراتب المصالح والمفاسد ودرجات الأعمال في الشرع والواقع، وثالثها أن العلم بها نافع في تعدية الأحكام من الأصول إلى الفروع ومن الكليات إلى الجزئيات، ورابعها أن العلم بها يزيد النفس طمأنينة بالشريعة وأحكامها. وبعد ذلك حاول الباحث إثبات كون الشريعة مبنية على مقاصد وذلك من خلال الأدلة النقلية بكلا نوعيها العام والخاص، وكذا النظرية والعقلية بوجهيها الاستقرائية والتحليلية. ثم تطرق إلى طرق معرفة المقاصد وأشار فيها إلى اختلاف العلماء في مسالك إثباتها، توقّفت الورقة مليا عند أنواع الاستقراء المطبقة في علم المقاصد، فذكر الباحث أنّها تنقسم إلى نوعين: استقراء الأحكام التي عرفت عللها واستقراء أدلة أحكام اشتركت في علة. ثم انتقل إلى بيان مراتب مقاصد الشريعة حيث تتفاوت مراتبها لتباين آثارها واستقر الإصطلاح على أنها ثلاث مراتب وهي مرتبة الضروريات وقد حصرها العلماء في ست وهي: الدين والنفس والنسب أو النسل والعقل والمال والعرض وللمحافظة عليها أقام الشرع حدودا من العقوبات، ومرتبة الحاجيات وهي ما يتعلق بالحاجة العامة ولا تنتهي إلى حد الضرورة كما عرفها إمام الحرمين، والحكمة منها ترجع إلى شيئين أولهما رفع الحرج والمشقة عن المكلفين والثاني تكميل الضروريات وحمايتها، ومرتبة التحسينيات وهي الأخذ بما يليق من محاسن العادات، أما الحكمة منها فترجع إلى شيئين وهما تكميل الضروريات والحاجيات وحمايتها، ثم أشار إلى أن مقاصد الشريعة تنقسم إلى قسمين المقاصد العامة وهي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، والمقاصد الخاصة وهي المقاصد الأصلية والتبعية من جهة المرتبة في القصد، وأما من حيث كونها اعتبارية أو حقيقية فقد قسمها الفقهاء إلى معان حقيقية ومعان عرفية عامة. بعد ذلك تناول نماذج من تطبيقات مقاصد الشريعة في منهج الأستاذ بديع الزمان النورسي فأشار إلى أن النورسي قد ضم في معظم رسائله روح المقاصد، فقد طبق مقصد حفظ النفس من خلال صده للأعداء وتحمله للسجون والتعذيب من أجل الحفاظ على القرآن الكريم وإنقاذ الإيمان، فضحى بنفسه لتسلم العقيدة. لقد استعمل النورسي مصطلح المقاصد الإلهية تعبيرا عما لاح له من ذلك الأمر من القرآن الكريم أهم مصدر للحقائق الإيمانية والكونية، وهي الحقائق التي يكتشفها ويخلص إليها كل متدبر في كتاب الله عز جل، كما استعمل الأستاذ رتبة المقصد الحقيقي بمعنى مقصد المقاصد وصرح بهذا المعنى في سياق تعليقه على الشرور والقبائح الجزئية المبثوثة في الكون، أما في إثبات التفاوت بين المقاصد، فذكر أنه يضحي بالمقصد المهم أمام ماهو أهم منه، فيضحي بالنفس في سبيل حقائق الشريعة، ومن شواهد هذا المعنى قوله: "لو كان ألف روح لكنت مستعدا لأضحي بها في سبيل حقيقة واحدة من حقائق الشريعة".
إحسان قاسم الصالحي من مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم بتركيا، شارك بمداخلة عنوانها: "نماذج من تطبيقات مقاصدية للنورسي في حياته"، تطرق فيها إلى بعض النماذج التي راعى فيها النورسي المقاصد في حياته الاجتماعية، ومهّد للبحث بنبذة مختصرة عن حياة النورسي ألقى فيها الضوء على حياته، قاصدا التنبيه إلى سيرته الحافلة، التي نستشف منها المعالم الكبرى لدعوته وفكره، وتيسّر للقارئ فهم مذهبه ومسلكه في حياته، فتطرق إلى ملامح الفترة التي عاشها النورسي بعد سقوط الخلافة العثمانية، حيث الاستبداد والطغيان والظلم، فكان دوره كبيرا في العمل على إخراج الناس من ظلمات الجهل إلى نور العلم، وفي هذا المعنى يمكن أن نفهم بيسر قول أحدهم: "ترى أي مصير رهيب كان ينتظر تركيا، لو لم يقيّض الله سبحانه وتعالى لها هذا الرجل، في وقت بدأت فيه فؤوس الحقد ومعاول الهدم تعمل على زلزلة الإيمان وتقويض بنيانه ومسح آثاره من البلاد"، وبعد سرده المختصر لحياة هذا العالم الجليل، إنتقل إلى إبراز الحكم والمقاصد التي يتوخاها من خلال النماذج التطبيقية مباشرة وهي:
لم يشترك ولا عاون في حادثة الشيخ سعيد: في الفترة التي عادت فيها الجمهورية الدين وحاربته، قامت ثورات ضد النظام الحاكم، وقد قاد الثورة في الأقاليم الشرقية الشيخ سعيد بيران الذي كان شيخا للطريقة النقشبندية وزعيما بارزا بين العشائر الكردية، وقد أرسل للأستاذ سعيد النورسي قبل اندلاع الثورة يطلب منه الإشتراك معه فيها، لكن النورسي رفض ذلك مؤكّدا له عدم رغبته في سفك دماء المسلمين من الأبرياء، وليس ذلك فحسب بل ثبطه عن القيام بالثورة ونصحه حتى جعل العديد ممن عزموا القيام بالثورة على التراجع. وقال لهم إن تطبيق الشريعة لا يكون بهذه الطريقة.
رفضه الهدايا: من دأب الأستاذ النورسي أنه أخذ على نفسه ألا يقبل الهدية من أحد ولم يقبلها قط، وفي هذا قال: "لقد كنت أرفض قبول أموال الناس وهداياهم منذ نعومة أظفاري، فما كنت أتنازل لإظهار حاجتي للآخرين رغم أني كنت فقير الحال وفي حاجة إلى المال، وما كنت زاهدا ولا صوفيا ولا صاحب رياضة روحية، فضلا عن أنني ما كنت من ذوي الحسب والنسب والشهرة". وقد علّل هذا الميل في التصرف بقوله: "إن السبب المهم للاستغناء عن الناس هو ما يقوله ابن حجر الموثوق حسب مذهبنا الشافعي: ومن أعطي لوصف يظن به كفقر أو صلاح أو نسب بأن توفرت القرائن أنه إنما أعطي بهذا القصد أو صرح له المعطي بذلك وهو باطنا بخلافه حرم عليه الأخذ مطلقا، ومثله ما لو كان به وصف باطنا لو اطلع عليه المعطي لم يعطه. وأضاف حادثة رائعة وهي أن صديقا حميما له وهو تاجر أتى بمقدار من الشاي يبلغ ثمنه ثلاثين قرشا فلم يقبل لذا قال لا تردني خائبا يا أستاذي، لقد جلبته لك من إسطنبول فقبلته ولكن دفعت له ضعف ثمنه، فقال: لِمَ تتعامل هكذا يا أستاذي ما الحكمة فيه؟ قلت: لئلا أنزل قيمة الدرس الذي تتلقاه –وهو بقيمة الألماس- إلى قيمة قطع زجاجية تافهة. فإنني أدع نفعي الخاص لأجل نفعك أنت". إن عدم قبول النورسي للهدية رغم أنها لاحرج فيها وأنه كما هو معلوم لدى الجميع أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدايا ودأب المسلمون على قبولها إلى يومنا الحاضر، فالنورسي يحجم عنها للسبب الآتي: إن الدرس الذي يتلقى من أستاذ اضطر لأخذ الصدقات وإلى التصنع للأغنياء وإلى التضحية حتى بعزته العلمية في سبيل جلب أنظار الناس إليه فمال إلى الرياء أمام الذين يتصدقون عليه، وبهذا جوّز أخذ ثمرات الآخرة في الدنيا: إن هذا الدرس يهون في هذه الحالة إلى مثل قطع زجاجية.
إبتعاده عن السياسة وعدم تقربه منها: وجهت له أسئلة كثيرة حول ابتعاده عن السياسة وأجاب عنها كلها فقال: "رأيت ذات يوم رجلا عليه سيماء العلم يقدح بعالم فاضل، بانحياز مغرض حتى بلغ به الأمر إلى حد تكفيره وذلك لخلاف بينهما حول أمور سياسية، بينما رأيته قد أثنى في الوقت نفسه على منافق يوافقه في الرأي السياسي، فأصابتني من هذه الحادثة رعدة شديدة، واستعذت بالله مما آلت إليها السياسة وقلت: "أعوذ بالله من الشيطان والسياسة". ومنذئذ إنسحبت من ميدان السياسة.
بقاؤه عزبا: بقي بديع الزمان عزبا، لأجل خدمة الإيمان والقرآن بشكل أكثر حرية، فلو تزوج لكان حينذاك قد ظلم زوجته وأولاده، لأنه قضى ثلث عمره متنقلا بين السجون والمنافي، لذلك لم يتزوج، بل لم يجد لذلك فرصة.
فتلاه أ. د. عبد الرزاق عبد الرحمن السعدي... ثم تلاه د. محمد الوثيق من كلية الشريعة بجامعة القرويين بالمغرب...
ولا ننسى أن نذكّر مرة أخرى أن هناك بحوثا أخرى قيمة تستحق القراءة ولكن نظرا لأن المجال لا يسمح بالحديث عنها والصفحات المخصصة لقسم القراءات في الكتب لا يستطيع استيعابها تركنا للقارئ الكريم الفرصة للإطلاع عليها في الكتاب الأصلي.
* * *
| Birincil Dil | Arapça |
|---|---|
| Yazarlar | |
| Yayımlanma Tarihi | 1 Haziran 2012 |
| Yayımlandığı Sayı | Yıl 2012 Sayı: 5 |