BibTex RIS Kaynak Göster

ملامح تجدد خطاب النورسي في مواجهة تحديات العصر

Yıl 2011, Cilt: 4 Sayı: 4, - , 01.12.2011

Öz

ملامح تجدد خطاب النورسي في مواجهة تحديات العصر

أ.د. محمد خليل جيجك1
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين
الحمد لله أولا وآخرا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه والصلاة والسلام على مفخر عباده الصالحين محمد الأمين وعلى آله وصحابته الغر الميامين آمين.
وبعد:
فإن من أعظم ما تقوم به الحياة البشرية هو تفاهم الناس وتخاطبهم فيما بينهم ولا شك أن من أهم آليات التفهيم والتفاهم بين الناس هو الخطاب المنسوج من لفيف الألفاظ والكلمات والحروف. وبحسب ما يحمله لفيف الألفاظ من المعاني القيّمة والمغازي الحكيمة يكون الخطاب قيّما وحكيما وبحسب ما يكون الخطاب مستوفيا لمتطلبات المجموعة المخاطبة يكون الخطاب بليغا ونافعا مفيدا. ومن هنا كان الركن الأساسي للبلاغة التي بها -ربما وحدها- يتميز كلام الناس عن نعيق البهائم هو مراعاة المخاطِب لأحوال المخاطَب وتنبهه لواجبات المقامات التي يورد فيها الخطاب. هذا إذا كان الخطاب موجها لفرد أو مجموعة محدودة من الأفراد ؛ وأما إذا كان الخطاب موجها لعصر أو عصور فمقتضى البلاغة والحكمة في ذلك الخطاب العصري أو العصوري يُحتِّم أن يكون الخطاب مستوفيا لمتطلبات ذلك العصر أو العصور ومبتغيات ذلك المجتمع المخاطب أو المجتمعات المخاطبة. وفي هذا الحد الفاصل يستبين مستويات أهل العلم والحكمة فكلما كان الخطاب أكثر استيعابا للمستلزمات العصرية والمتطلبات الاجتماعية في صنوف الخطابات كان الخطاب أنجع في مداواة أمراض العصر ورفع إشكالياته. والخطاب الذي تتوفر فيه هذه الميزة البلاغية أدل على عمق حكمة صاحبه وازدياد توسمه وتفرسه فيما سيأتي به مستقبل أيام أمته. ومعنى هذا أن من ضروريات خطاب الدعوة أن يكون متفاعلا بالكيمياء الاجتماعية لعصره وأن يكون موجها لأبناء أمته نحو أسباب ارتقاء الدعوة وتطورها السنني وهذا يدل على أن عصرنة الخطاب ومواءمته لمستجدات الزمان والمكان ضرورية إلى أبعد الحدود.
ومما لا ريب فيه أن هذه الأمة المرحومة التي مضى عليها أكثر من أربعة عشر قرنا تربى في جنوبها وشمالها، وفي شرقها وغربها، وفي سهولها وأحراشها، وفي فيافيها وقيعانها، وفي كهوفها وجبالها مئات الدعاة المخلصين والحكماء المتقين الذين كانوا بمنزلة نجوم السماء في الظلمة الظلماء فصرفوا شطرا كبيرا من أوقاتهم وزمنا مديدا من أعمارهم في سبيل دعوتهم وَجَدُّوا وجاهدوا وأصلحوا وأخلصوا ففتحوا بلدانا وعَمَّرُوا ديارا وأناروا قلوبا وبنوا أجيالا فكانوا مصابيح الهدى وشموس الدجى. وكان من أعظم أسباب نجاحهم وفلاحهم هو حكمتهم القولية العميقة في خطابهم المواتي لمقتضيات عصرهم إلى جنب حكمتهم العملية النيرة. ومن جراء هذا كان خطاب كل منهم في عصره مستوعبا لعناصر التجدد والعصرنة بحسب الظروف الملائمة والشؤون المستجدة.
ويأتي في مقدمة هؤلاء الدعاة الذين أفنوا أعمارهم وأبقوا أعمالهم في سبيل دعوتهم بديع الزمان سعيد النورسي فإنه رحمه الله كان عارفا بأحداث عصره وتقلباتها وفواجعها ومهلكاتها ومصائبها ونائباتها وكان يَعُدُ للعصر عُدَّتَهُ وكان يوفِّر في سبيل دعوته جميع ما يحتاج إليه من عدة وعتاد ووسائل وآليات وكان رحمه الله عميق الحكمة وثاقب البصيرة فيما يتجه إليه مصير الأمة وما تتمخض به الأيام. وخصيصا إن تلك الأحداث الاجتماعية الكبرى والتحولات السياسية العظمى في المعسكر الشرقي والغربي ألجأت خبراء الأمة ودعاتها وعلمائها إلى أن يأخذوا حذرهم ويعدوا عدتهم علما ومعرفة وحكمة وثقافة لما تنتظرهم من الأحوال الجسام والأحداث العظام. لا جرم أن الشيخ النورسي رحمه الله يأتي في صدر قائمة هؤلاء الذين كان مصير الأمة يقض مضجعهم إذ تراه يفصح عما يعروه من هذا الألم الناشئ من مصير الأمة بقوله: "إن أمامي حريقا مدهشا يحترق فيه أبناء أمتي يحترق فيه إيمانهم وعقيدتهم فها أنا ذا أحاول أن أطفئ ذلك الحريق فيعرقلني واحد فيصطدم به رجلاي فلا قيمة لذلك."2 ثم تراه يعيب على معاصريه الذين لم يفهموه ولم يقدروا طموحاته بأنهم أصحاب: "...آراء ضعيفة وأفكار قاصرة..."3
فكان هذا الشعور بمصير الأمة وبعواقب الأحداث المؤلمة التي تعيشها الأمة يحيط بجميع كيان النورسي ويؤرقه ويؤلمه فيجتهد ولا يألو أن يأتي بتخطيط فيه إنقاذ الأمة عقديا وعمليا وأخلاقيا ويرى أن أنفع شيء هو إثبات العقائد الإسلامية وتحقيق سائر القضايا الدينية والمسائل الإيمانية بالأدلة العقلية والحجج النيرة والبراهين الساطعة إذ كان يرى بما يجري حوله في بلاده وسائر البلاد الأخرى من التقلبات الاجتماعية العظمى والتحولات السياسية الكبرى أن دبيب الإلحاد والمادية الشنعاء قد دب إلى جسم الأمة فلابد من مداواته بما يقتلعه من جذوره فكان تأليف رسائل النور انعكاسا لهذا الصوت المرعب في داخل النورسي ومن هنا أعلن لمن حوله: "لأبرهننّ للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن إطفاء نورها".4 فكان النورسي يؤطر عمله الدعوي في هذا الإطار الذي يلبي متطلبات العصر ويقضي حاجات المجتمع الذي يعيش فيه. وكان رحمه الله يشرئبّ عنقه نحو احتياجات الفئة المثقفة الفكرية والاعتقادية وينص في تحليله على اكتشاف الحلول السليمة والمقنعة لإشكاليات العصر وخصيصا منها الاعتقادية والنفسية والاجتماعية ويقترب منها اقتراب الحازم الحكيم ويتناولها بالتحليل والتفصيل والتدليل العقلي والنفسي والاجتماعي. فمثلا يقول في مقدمة ذيل رسالة الحشر: "سنشير إلى أربعة أدلة -على سبيل المثال وكنموذج قياسي- من بين مئات الأدلة على أن عقيدة الآخرة هي أس الأساس لحياة الإنسان الاجتماعية والفردية، وأساس جميع كمالاته ومُثله وسعادته."5 ثم يستمر الشيخ في سرد باقة قوية من تلك الأدلة التي يغلب عليها الطابع النفسي والاجتماعي والذي يخاطب جميع طبقات المجتمع من الأطفال والشباب والكهول والشيوخ،6 فيقول أخيرا متحديا العلماء المعاصرين تنصيصا على ما يتبدى على معطياته الاستدلالية من اللون الأخلاقي والاجتماعي: "فليصغ علماء الاجتماع والسياسة والأخلاق من المعنيين بشؤون الإنسان وأخلاقه واجتماعه وليأتوا بما سيملئون به هذا الفراغ وبما سيداوون ويضمدون به هذه الجروح الغائرة العميقة؟"7
وتفاعُلُ النورسي عبر عطائه العلمي والدعَوي مع مشاكل عصره الفكرية والنفسية والعقلية والاجتماعية هو الذي أضفى على خطاب النورسي الدعَوي أصالة وتميزا وتجددا وأكسبه قبولا واستمرارا وانتشارا بين جميع تلك الخطابات الدينية الدعوية التي اكتظ بها العصر.
ونحن إذ وجدنا أنفسنا مضطرين للإفصاح عن تلك المعالم والملامح التي لبس بها خطابُ الشيخ النورسي ثوبا قشيبا بين سائر الخطابات الدعوية نجد تلك المعالم ممكنة التلخيص فيما يأتي:
1– عقلنة الدعوة والأساليب:
إن الإمام النورسي كان -كما قلنا- خبيرا محنكا بأدواء العصر، ومشاكله الفكرية، وتحدياته الاجتماعية، وأمراضه الأخلاقية، ومتطلباته النفسية، وأبعاد شقائه الروحية؛ وكان مستيقنا من أن العامل الأكبر في جميع تلكم المشاكل والأمراض والمتطلبات والشقاوات هو انعدام العقيدة الصحيحة أو ضعف ورخوة الأرضية التي انبنى عليها الكيان الإيماني أو ما يسميه هو بالإيمان التقليدي ويقصد الإيمان غير المستند إلى الركن المشيد من الأدلة الكونية والبراهين العقلية. إذ قال: "نعم! لقد تزعزعت قلاع الإيمان التقليدية وتصدعت أمام هجمات هذا العصر الرهيب. ونأت عن الناس وتسترت بحجب وأستار. مما يستوجب على كل مؤمن أن يملك إيماناً تحقيقياً قوياً جداً كي يمكّنه من المقاومة والثبات وحده تجاه الضلالة المهاجمة هجوماً جماعياً." 8 كما يرى في هذا السياق أن الإيمان التقليدي لا يثبت أمام شبهة واحدة.9 فمن واجب جميع المؤمنين أن يسعوا للتحصيل في الإيمان على مرتبة علم اليقين التي تقاوم الشبهات المهاجمة بقوة ما فيها من براهين.10
إيفاء بهذا الفرض الكفائي بل العيني كان النورسي يصرف ليله ونهاره وحتى جميع ما أوتى من قوة وقدرة في سبيل صياغة أساليبه الإثباتية وخطاباته الدعوية بصيغة عقلانية تخاطب العقل وتطمئنه ونعني هنا بالعقلانية، العقلانية الإسلامية المؤمنة التي تحسب للغيب حسابه وتنطلق في انطلاقاته من المنطلق الإسلامي لا العقلانية الغربية الوضعية التي لا تؤمن باللٰه ولا رسالاته وتحاول أن تحرر كلّ تفكيروتقييم من ربقة الدين ومن قيود الإيمان بالغيب. ومن هنا كان أهم ما يرتكز عليه تفكير النورسي هو إثبات الأركان الإيمانية بالأدلة الناصعة التي لا تستنكرها معارف العصر ولا تَمُجُّها العقلية العلمية الحديثة السليمة ولا يمتعض منها ذوق المسلم العادي فهو في ذلك الأسلوب يستطيع أن يرضي شتى المستويات ويقنعها، وهو في كلّ ذلك ينتهج نهج الكتاب العزيز.11
نعم! إن الإمام النورسي يركز جميع قواه على إثبات القضايا التوحيدية والحقائق الإيمانية بأسلوب علمي إيجابي رصين ومضمون عقلي حكيم يتواءم مع معارف العصر ويتناغم مع مكتسباته وينسجم مع معطياته آتيا من خلال ذلك بخلاصة المعارف الكونية جاعلا منها أنصع دليل على وجود الصانع وتوحيده. وخير شاهد على ذلك اللمعة الثالثة والعشرون التي سماها رسالة الطبيعة،12 والكلمة الثالثة والثلاثون التي هي عبارة عن ثلاث وثلاثين نافذة يشرح الشيخ من خلال كل نافذة منها وجها من وجوه الكون المتعددة ويجعلها دليلا على عظمة الصانع وتوحيده وقدرته.13 وكذلك عليك بالكلمات: الثامنة، والثانية عشر، والتاسعة عشر، والثانية والعشرين، والثالثة والعشرين. ففيها كفاية لمن أراد أن يذّكّر أو أراد شكورا.
فكأني بالشيخ النورسي وهو واقف بجلالته ومهابته على قمة شاهقة سامقة مطل على جميع العالم الإنساني ينادي بأعلى صوته: "يا معشر المعاصرين! إني موظف بوظيفة هامة تتعلق بنجاتكم من شقائكم وهي أن أثبت لكم -على الرغم من عتوكم ولجوجكم- جميع الأركان الإيمانية والحقائق الإسلامية بأصدق دليل وأنصع برهان وأقوى حجة فهلموا إليّ كي أسعفكم مما تتردَّوْن فيه من أنواع معاطب الكفر ومهالك الشرك ولا تتكاسلوا ولا ترغبوا عني بحجة عدم فهمكم لما ألقيه إليكم فإني سأخاطبكم بلغتكم التي بها تتفاهمون وسأبلغكم بمعارفكم التي بها تتعارفون وسأكلمكم بلسان ثقافتكم التي عليها تكلمون" ولم يفارق النورسي هذه الخطة الشريفة ولا قيد أنملة. فكلما خطا خطوة فكرية قوَّى تلك الخطوة يمينا ويسارا وجنوبا وشمالا وعلوا وسفلا بأقوى ما يمكن من الأدلة العقلية والبراهين الناصعة التي لا تتعارض في أي شيء مع العقلية العلمية المستنيرة ولا تخالف مقتضى التفكير العلمي الحر السليم. إذ يرى النورسي: أن الإيمان التقليدي معرّض لهجمات الشبهات والأوهام. أما الإيمان التحقيقي فهو أوسع منه وأقوى وأمتن. 14
فلا تكاد ترى في ميراثنا الإسلامي العظيم مجموعة مصنفات أخرى لمؤلف آخر تتضمن من الإصرار البالغ على البرهنة والاستمرار الملح في سبيل الاستدلال ما أصرت عليه مجموعة مصنفات للنورسي، فهو العَلم الفرد في ذاك الميدان فلذا يغلب على أسلوبه البيان الاستدلالي والبرهنة على الدعاوى التي يأتي بها. ثم إن برهنة النورسي تلك برهنة منطقية وعقلانية وعلمية لا يستنكرها أي منتوج علمي أو أي عطاء معرفي ولا يمجها أي عقل سليم.
ومن ناحية أخرى إن من اللافت للنظر أن الإمام النورسي، يحاول بجميع جهده أن يثبت بالدليل العقلي والمنظور العلمي جميع ما يتناوله من المسائل الإيمانية، وفي الوقت نفسه يجتهد ولا يألو أن يكون ما يقدمه من عطائه الاستدلالي في أسلوب مرن سهل يفهمه العوام ويتذوقه الخواص فلا ينغمس في التعقيدات اللفظية ولا يسمح أن تضيع رسالته في المصطلحات العلمية والفلسفية. وهذا أيضا من أهم أسباب إقبال العامة والخاصة عليه وعلى رسائله. ومن جراء ذلك تراه رحمه الله يكثر من التمثيلات والتشبيهات التي تسهل الوصول إلى غرض الكلام. ولا شك أن أسوة الشيخ النورسي في ذلك هو الفرقان الحكيم فهو حذا حذو القرآن خطوة بخطوة، وقدما بقدم.
2– أنسنة الأداء والإفادة:
فلما كان النورسي يشاهد عن كثب من طغيان موجة الإلحاد -التي لها آثار سلبية تماما- على الواقع المعيش للمسلمين وكذا على عالم أفكارهم وقيمهم ولما كان يشاهد من استحواذ موجة الثقافة الغربية الوضعية التي تنبذ الدين وتقصيه عن واقع الحياة -بشتى الأساليب الكاذبة والتسويلات الشيطانية القذرة والدعايات الزائفة- على شرق العالم وغربه نجمت في الأوساط التي يعيش فيها المسلمون آراء غير واقعية وغير صادقة عن الإسلام بجعله تحت ظنة القسوة وقلة الرحمة وشدة أحكامه أو عدم ملاءمتها مع احترام الإنسان وحقوقه. فنتج من ذلك أن انصدعت قارورة حب الإسلام في القلوب ووقع بتلك الأراجيف التي يرجف بها المبطلون كراهية الإسلام وبغض معالمه في بعض الصدور فلابد من أن يتدارك الأمر علماء الأمة بالجد والسعي لتحبيب الأحكام والعبادات الإسلامية إلى القلوب من خلال شرح وبيان ما تحتوي عليه من الفوائد والحكم، وأن يبينوا للناس قاطبة قيمة الإنسان ومكانته السامية في المنظور الإسلامي وما خوله الله بين الكائنات الأخرى من الفضل والشرف بما حباه من المزايا النبيلة ومنَّ عليه من العطايا العظيمة. فشمر علماء الأمة وفضلاؤها عن ساعد الجد ونافحوا عن معالم دينهم وعن مضامين كتاب ربهم وكتبوا في هذا السياق كتابات جزيلة كما فعل ذلك مثلا الشيخ محمد رشيد رضا في كتابه القيم الوحي المحمدي وفي تفسيره المنار وكما فعل ذلك أستاذه وشيخه محمد عبده في كتاباته العديدة، وكما فعل الشيخ عفيف طبارة في كتابه روح الدين الإسلامي وكما فعل الشيخ محمد الغزالي وكما فعل ولا يزال يفعل الشيخ يوسف القرضاوي. ولاجرم أن الإمام النورسي يأتي في مقدمة من تنبه لهذا الخطر المحدق بالأمة فعمل عملا جزيلا وصرف وقتا طويلا لإزاحة هذا الافتراء الشنيع عن وجه الإسلام النقي. ومن هنا ترى أنه يهتم حينما يسرد الأدلة التوحيدية التي كان يستدل بها بتبيان رحمة الإسلام والإفصاح عن اهتمامه العظيم بالإنسان حيث جعله الله سبحانه في الدرجة الأولى من بين سائر الموجودات مخاطبا لجنابه الأقدس ومنزلا عليه لكتابه الأعظم وهذا يفيد أن الإسلام وضع الإنسان في رتبة عالية ومكانة سامية فاعتنى النورسي بالإبانة عن تلك المقاربة الإسلامية للإنسان إلى أقصى حد انطلاقا من متطلبات العصر فإنه كان يرى عن قرب أن الإنسان المعاصر تربى في ظل الثقافة الغربية المادية الوضعية التي كان من أهم شعاراتها "كل شيء للإنسان" أو "الإنسان سيد الكون" وتأثر بها إلى أبعد الحدود فكان لزاما أن يفصح النورسي عن أنسنة المقاربات الإسلامية أي أن يعرب عن الأوضاع، والشؤون، والأفكار، والملاحظات، والمبادئ، والتعاليم التي أتى بها الإسلام لإسعاد الإنسان، واحترامه، ورعاية حقوقه، ورفع مستواه الإنساني، وتخليصه من أسباب الذل والاستعباد والإهانة ومن وسائل الظلم والقهر وسلب الحقوق وإنقاذه، من جميع السلبيات التي تسبب خفض مستواه الإنساني.
فكان الإمام النورسي يحاول أن يثبت فعلا ما في الإسلام من القيمة العظيمة للإنسان حيث يرى النورسي حسب منظوره الإسلامي أن البشر ثمرة لهذه الكائنات فهو المقصود الأظهر لخالق الموجودات.15 ويرفع من مستوى هذه الثمرة العظيمة القيمة بين الموجودات الأخرى بحسب نظر النورسي، قال الأستاذ: "كما أن في الأسماء الحسنى اسما أعظم لله تعالى فهناك نقش أعظم في نقوش تلك الأسماء وذلك هو الإنسان"16 ومن هذه القراءة الأنسنية التي ترفع من قيمة الإنسان يرى النورسي أن من ثمرات المعراج النبوي أنه رفع الإنسان من كونه مخلوقا صغيرا وحيوانا ضعيفا وذا شعور عاجزا إلى مقام رفيع ومرتبة عالية بل إلى أرفع مقام عزيز مكرم على جميع المخلوقات.17 فنرى أن النورسي قرأ المعراج النبوي أيضا قراءة أنسنية استخرج منها معاني جليلة الشأن في الرفع بمستوى الإنسان؛ فالإنسان -كما فهم من المعراج- ثمرة قيمة من ثمرات الكائنات جليل القدر ومخلوق مكرم محبوب لدى الصانع الجليل.18 بينما لا يهمل النورسي رحمه اللٰه أن يسرد ما ألصقته القراءة المادية الغربية بالإنسان من تلك الصورة الشوهاء وما حطه فيه من تلك الدركة الدنية المزرية بشأن الإنسان بين الكوائن الأخرى.
وشيء آخر يدل دلالة قوية على ما في أسلوب النورسي من الأنسنة أنه رحمه الله بما كان يتحلى به من صفة العالم الورع التقي الرحيم كان يبدو على آثاره وفي أساليبه الرحمة بالإنسان وسائر الحيوانات ويظهر في كتاباته الشفقة عليها التي هي أكبر مقومات الأنسنة.
3– استفزاز العواطف النفسية:
إن من أهم ما يلفت النظر في أساليب النورسي هو أنه يراعي المتطلبات النفسية والحالات الروحية للإنسان المعاصر بإيثار الأسلوب الإقناعي الحكيم والأسلوب العاطفي الرقيق المبتعدين عن الثرثرة والصلف اللفظي؛ إن النورسي رحمه الله بما أوتي من بُعْد نظر وسعة تفكير وعمق تأمل فيما آل إليه المجتمع الإسلامي بشتى طبقاته بعد إلغاء الخلافة الإسلامية وانهيار الدولة العثمانية وانتشار الأفكار الوضعية بين الناس كان يعرف مكمن الداء ويستيقن وصفة الدواء وكان يرى عن كثب ما يرتبك فيه فئات المجتمع الإسلامي من اللغو واللهو والمجون وما يتورط فيه من الدعارة والهمجية الخلقية وما يعيشه من التدهور الأخلاقي وذوبان القيم الإيمانية كما كان يشاهد بعين بصيرته ما ينجم عن ذلك مما يتغلغل في نفوس طوائف المسلمين من الإعراض عن الدين والإقبال على الآخرة فكان لابد من حكيم نفساني وطبيب روحاني يكيل الأمور بمكاييلها ويضع الأمور في أنصبتها وذلك بأن يختار في دعوة أمثال هذه المجموعة التي تخلخل وضعها الديني إلى أقصى حد صيغة تنزل إلى أعماق النفس بينما تصعد إلى مدارج العقل؛ صيغة تخاطب اللطائف النفسية بينما تخاطب المدارك العقلية؛ صيغة تمسح رأسي النفس والعقل معا حتى لا ينجفلا؛ صيغة تجول في تلافيف النفس وتتحرك في طيات الروح فتستنبط عواطفهما ومثيراتهما وردود فعلهما حتى تعد للأمر عدته وتأخذ أهبته.
وتلك الصيغة الرشيدة الحكيمة التي يتأتى لها أن تجذب إليها مثقفي العصر وأن تقنعهم وترضى أنفسهم وأن ترويهم برحيق اليقين إنما هي صيغة النورسي في دعوته الإيمانية الرفيعة فمثلا هيا بنا لنستمع إلى هذا الخطاب الذي ينقب خبايا الشهوات النفسية كي يعالجها بأسلوبه الحكيم. فهو يصوغ الخطاب لنفسه كي يأخذ قراءه أعظم درس بأقصر صورة إذ يقول:
"فيا نفسي الحائرة ويا صديقي المغرم بالهوى! أتحسبون أن "مهمة حياتكم" محصورة في تلبية متطلبات النفس الأمارة بالسوء ورعايتها بوسائل الحضارة إشباعاً لشهوة البطن والفرج؟ أم تظنون أن الغاية من درج ما اُودع فيكم من لطائف معنوية رقيقة، وآلات وأعضاء حساسة، وجوارح وأجهزة بديعة، ومشاعر وحواس متجسسة، إنما هي لمجرد استعمالها لإشباع حاجات سفلية لرغبات النفس الدنيئة في هذه الحياة الفانية؟ حاشَ وكلا!!"
"بل إن خلق تلك اللطائف والحواس والمشاعر في وجودكم وإدراجها في فطرتكم إنما يستند إلى أساسين اثنين... 19 ترى أن النورسي لفت النظر إلى تلك الأجهزة والاستعدادت والمشاعر والحواس التي أدرجت في خلقته تنبيها للإنسان على قيمتها حتى لا يضعها في موضعها غير المناسب.
وأمعن النظر في هذا المقطع الآتي حتى تقدره قدره وحتى تستيقن أنّ الرجل وفق ونجح أكبر النجاح في صياغة خطابه على وفق المعطيات النفسية وحسب الحالات التي هي أنجع في إقناع النفس وتهيئتها للانصياع عن رضا وقبول لما يلقى إليها من التوجيهات والتعاليم:
"إن الإنسان بفطرته ضعيف جداً، ومع ذلك فما أكثر المنغصات التي تورثه الحزن والألم، وهو في الوقت نفسه عاجز جداً، مع أن أعداءه ومصائبه كثيرة جداً، وهو فقير جداً مع أن حاجاته كثيرة وشديدة، وهو كسول وبلا اقتدار مع أن تكاليف الحياة ثقيلة عليه، وإنسانيته جعلته يرتبط بالكون جميعاً مع أن فراقَ ما يحبه وزوال ما يستأنس به يؤلمانه، وعقله يريه مقاصد سامية وثماراً باقية، مع أن يده قصيرة، وعمره قصير، وقدرته محدودة وصبره محدود."
"فروح الإنسان في هذه الحالة (في وقت الفجر) أحوج ما تكون إلى أن تطرق -بالدعاء والصلاة- باب القدير ذي الجلال، وباب الرحيم ذي الجمال، عارضةً حالها أمامه، سائلة التوفيق والعون منه سبحانه، وما أشد افتقار تلك الروح إلى نقطة استناد كي تتحمل ما سيأتي أمامها من أعمال، وما ستحمل على كاهلها من وظائف في عالم النهار الذي يعقبه. ألا يُفهم ذلك بداهةً؟
"(وعند وقت الظهر) ذلك الوقت الذي هو ذروة كمال النهار وميلانه إلى الزوال، وهو أوان تكامل الأعمال اليومية، وفترة استراحة موقتة من عناء المشاغل، وهو وقت حاجة الروح إلى التنفس والاسترواح مما تعطيه هذه الدنيا الفانية والأشغال المرهقة الموقتة من غفلةٍ وحيرةٍ واضطراب فضلاً عن أنه أوان تظاهر الآلاء الإلهية.20 ترى أنه رحمه الله استرعى النظر إلى جوانب الضعف الإنساني وقدم لكل ضعف وصفة شفاء أيضا. ويقول في سياق آخر:
"نعم إن روح الإنسان التي تنشد الأبدية والخلود، وهي التي خُلقت للبقاء والأبد، وتعشق الإحسان، وتتألم من الفراق، تُنهض بهذا الإنسان ليقوم وقت العصر ويسبغ الوضوء لأداء صلاة العصر، ليناجي متضرعاً أمام باب الحضرة الصمدانية للقديم الباقي وللقيوم السرمدي، وليلتجئ إلى فضل رحمته الواسعة، وليقدم الشكر والحمد على نعمه التي لا تحصى، فيركع بكل ذلٍّ وخضوع أمام عزة ربوبيته سبحانه ويهوي إلى السجود بكل تواضع وفناء أمام سرمدية ألوهيته، ويجد السلوان الحقيقي والراحة التامة لروحه بوقوفه بعبودية تامة وباستعداد كامل أمام عظمة كبريائه جل وعلا. فما أسماها من وظيفةٍ تأديةُ صلاة العصر بهذا المعنى! وما أليقها من خدمة! بل ما أحقّه من وقتٍ لقضاء دَين الفطرة، وما أعظمه من فوزٍ للسعادة في منتهى اللذة! فمن كان إنساناً حقاً فسيفهم هذا.21
4– البيان الحضاري:
إن سيادة الحضارة الحديثة وذيوعها بمؤسساتها، ومعالمها، وقيمها، وثقافتها، ومعارفها، ومبادئها، وقواعدها، وتعاليمها، وشرائعها في جميع أرجاء الكرة الأرضية أحدثت ثورات في التصورات وانفلاقا في التفكير وانقلابات عظيمة في التقويم لم تحلم بها الإنسانية من قبل. وتسرب ذلك إلى ميادين التقويم ومعارك التفكير كثيرا من الأمور التي لم يكن لها وزن من قبل وانهدمت بذلك كثير من الأسوار التي كان أُحْكِم غلقها من قبل حول التفكير الإنساني وتحطّمت كثير من الأغلال التي كانت وُثِّقَتْ وشُدِّدَتْ على العقل البشري فبذلك اتسعت ساحات التفكير وانفتحت المجالات التصورية للإنسان المعاصر أكثر من ذي قبل. فصار الإنسان المعاصر أو الحداثي -على حد تعبيرهم- يهتم بكثير من القضايا الفكرية والمسائل الثقافية وصارت له اهتمامات عقلانية واعتناآت معرفية من نوعية أخرى. ويأتي في صدر قائمة هذه الاهتمامات الفكرية الحديثة الاهتمام الحضاري حيث نجد الإنسان المعاصر يتعلق تفكيريا بالمعلومات الدائرة حول موضوع الحضارة ويعتني بالموضوع أكثر من أي وقت مضى. فيعالج من الموضوعات الحضارية بيان الخصائص الذاتية للحضارة وإيضاح معالمها الرئيسة وشرح مقوماتها الأساسية وإبراز مكوناتها الأصيلة فإذاً الثقافة الحضارية معلم فكري أساس من معالم الفكر الحديث.
وحيث كان النورسي على بصيرة بالغة وذا عبقرية نابغة في توظيف جميع الآليات الفكرية والثقافية والمعرفية لصالح دعوته كان له اهتمام فائق بشتى السياقات وفق تعددها، فتناول بالبيان الحضاري ولمسات لطيفة بالمقارنة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية فمثلا قال النورسي: "إن دساتير القرآن الكريم وقوانينه لأنها آتية من الأزل فهي باقية وماضية إلى الأبد. لا تهرم أبداً ولا يصيبها الموت، كما تهرم القوانين المدنية وتموت، بل هي شابة وقوية دائماً في كل زمان. فمثلاً: إن المدنية بكل جمعياتها الخيرية، وأنظمتها الصارمة ونظمها الجبارة، ومؤسساتها التربوية الأخلاقية لم تستطع أن تعارض مسألتين من القرآن الكريم بل انهارت أمامهما وهي قوله تعالى: ﴿وآتُوا الزَّكَاة﴾البقرة:43 و﴿...وَأحَلَّ الله البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾البقرة:275 22 فهذا إشارة إجمالية موجزة من النورسي إلى ما تتضمنه الحضارة الإسلامية من الطاقة العظيمة والاستعداد التام لتنظيم الحياة المدنية الكريمة الرخية الرغيدة لأبناء البشر.
كما نجد النورسي يأتي بتفصيل أوفى وبيان أشفى في سياق الكلام على المقارنة بين المدنية الإسلامية والمدنية الغربية في مواضيع متعددة من رسائله وكتاباته نكتفي منها بما يأتي:
"فالمدنية الحاضرة تؤمن بفلسفتها: أن ركيزة الحياة الاجتماعية البشرية هي 'القوة‘ وهي تستهدف ‘المنفعة' في كل شئ. وتتخذ ‘الصراع' دستوراً للحياة. وتلتزم بالعنصرية والقومية السلبية رابطةً للجماعات. وغايتها هي ‘لهو عابث' لإشباع رغبات الأهواء وميول النفس التي من شأنها تزييد جموح النفس وإثارة الهوى. ومن المعلوم أن شأن ‘القوة' هو ‘التجاوز'. وشأن ‘المنفعة' هو ‘التزاحم' إذ هي لا تفي بحاجات الجميع وتلبية رغباتهم. وشأن ‘الصراع' هو ‘التصادم' وشأن ‘العنصرية' هو ‘التجاوز' حيث تكبر بابتلاع غيرها".
"فهذه الدساتير والأسس التي تستند إليها هذه المدنية الحاضرة هي التي جعلتها عاجزة -مع محاسنها- عن أن تمنح سوى عشرين بالمائة من البشر سعادة ظاهرية بينما ألقت البقية إلى شقاء وتعاسة وقلق."
"أما حكمة القرآن فهي تقبل ‘الحق' نقطة استناد في الحياة الاجتماعية بدلاً من ‘القوة'... وتجعل ‘رضى الله ونيل الفضائل' هو الغاية والهدف، بدلاً من ‘المنفعة' وتتخذ دستور ‘التعاون' أساساً في الحياة، بدلاً من دستور 'الصراع‘... وتلتزم رابطة ‘الدين' والصنف والوطن لربط فئات الجماعات، بدلاً من ‘العنصرية والقومية السلبية'... وتجعل غاياتها ‘الحدّ من تجاوز النفس الأمارة ودفع الروح إلى معالي الأمور وتطمين مشاعرها السامية لسَوْق الإنسان نحو الكمال والمثل العليا لجعل الإنسان إنساناً حقاً."
"إن شأن ‘الحق' هو ‘الاتفاق'... وشأن ‘الفضيلة' هو ‘التساند'... وشأن ‘التعاون' هو ‘إغاثة كل للآخر'... وشأن ‘الدين' هو ‘الأخوة والتكاتف'... وشأن ‘إلجام النفس وكبح جماحها وإطلاق الروح وحثها نحو الكمال' هو ‘سعادة الدارين'."
"وهكذا غُلبت المدنية الحاضرة أمام القرآن الحكيم مع ما أخذت من محاسنَ من الأديان السابقة ولا سيما من القرآن الكريم."23
ولعمر الحق! إن النورسي أتى ببيت القصيد في موضوع المقارنة بين تينك الحضارتين وأصاب نقطة الحياة في التنصيص على خصائص كلتا الحضارتين وثمراتهما ونتائجهما الفردية والاجتماعية بما لا مزيد عليه حتى لو قلنا إنه رحمه الله أعجز بهذا البيان الشافي والتفصيل الوافي في معرض الإبانة عن خصائص وثمرات كلتا الحضارتين كثيرا من الفهوم والعقول، وفي هذا لم نكن مبالغين ولا مغالين. ثم إنه لا يكتفي بهذا القدر بل نراه يتوسع في الموضوع، وصل به حدّ المقارنة بين تلميذ الفلسفة المادية الوضعية التي هي وليدة المدنية الغربية وبين تلميذ التربية الرحيمة الشفيقة التي هي ثمرة من ثمرات القرآن، فيقول باختصار مخاطبا أوربا التي هي مولد تلك المدنية ومحل ترعرعها ونمائها: إن تلميذك فرعون طاغية وفي الوقت نفسه ذليل مهين ومتمرد ولكنه مسكين عاجز وجميع همته تطمين رغبات النفس وإشباع هواها وأما تلميذ القرآن فهو عبد لكنه عزيز ولين هين لكنه لا يتذلل لغير فاطره الحكيم فهو ذو همة عالية وعزيمة صادقة، وفقير لكنه مستغن عن كل شيء بما ادخر له فاطره، وضعيف لكنه يستند إلى قوة خالقه المطلق... وكذلك يمكنكم أن تقيسوا مدى الفرق الهائل بين تلاميذ الفلسفة السقيمة وبين تلاميذ القرآن الحكيم من حيث مدى التضحية والفداء...24
ثم إن بيان النورسي في سياق المعطيات الحضارية لا يقف عند هذا الحد بل تراه يتوسع في التنقيب عن معالم الشخصية الحضارية لأوربا وملامحها الذاتية التي تنم عن طبيعتها بأنصع بيان ويفصح عن مثالبها ومضارها التي أضرت الجن والإنس غير ناس التنصيص على ما أنتجته من بعض الأمور النافعة التي انتفع بها العالمون25 وبهذا يتكون لدى قارئ مؤلفات النورسي فكرة مستبينة عن الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية وعن خصائصهما وعن معطياتهما وثمراتهما وعن الفوارق التي تفرق بعضهما عن الآخر. وكفى هذا بيانا شافيا وتفصيلا وافيا عن تقديم موضوع الحضارة للإنسان المعاصر.
ولنكتف بهذا القدر علما منا أن الموضوع يتضمن كثيرا من الأمور الهامة والمسائل اللازمة فيحتاج إلى بيان أوفى وتوسيع أخصب.
5– الإجابة عن الخطاب النقدي:
إن الإمام النورسي بما كان لديه من الولع والشغف بالاستدلال على الحقائق الإسلامية كان يتحسس ما كان الناس المغرضون يتفوهون به حول الأحكام الإسلامية والمسائل الإيمانية فكان أُذُنَ خيرٍ في ذلك سمَّاعاً لكل أو جل ما قيل عن الإسلام وعقائده الناصعة وكان يجيب عن جميع ذلك قدر المستطاع. فكانت رسائله -ولا تزال- تتركز إلى أقصى حد على إثبات العقائد الإسلامية بأنصع بيان وأبهر برهان وأجمل دليل إجابةً عن تلك الانتقادات التي يوردها الملحدون المغرضون تجاه الإسلام وعقائده. وفي هذا الصدد لا يهمل النورسي الإجابة عما يورده شرذمة المعترضين على بعض أحكام الإسلام أيضا من مثل ميراث المرأة26 وتعدد الزوجات27 وحرمة الربا28 ووجوب الحجاب الشرعي29 ووجوب الزكاة30 وحرمة الصور إذ تراه مثلا يقول في موضوع حرمة الصور في سياقها التاريخي مبينا حكمتها بما يلي: "إن القرآن الكريم مثلما يمنع بشدة عبادة الأصنام يمنع كذلك اتخاذ الصور التي هي شبيهة بنوع من اتخاذ الأصنام. أما المدنية الحاضرة فإنها تعدّ الصور من مزاياها وفضائلها وتحاول أن تعارض القرآن. والحال أن الصور أياً كانت، ظلية أو غيرها، فهي: إما ظلم متحجر، أو رياء متجسد، أو هوى متجسم، حيث تهيج الأهواء وتدفع الإنسان إلى الظلم والرياء والهوى وغيرها."31 ويقول مثلا تجاه ما يورده المغرضون حول ميراث المرأة: "وهما (أي إن إرث البنت مثل أخيها الذكر سويا وحرمان الأم من ميراث الولد) مثالان من ألوف الأمثلة التي تثبت مدى الظلم والإجحاف في الحقوق المدنية للحضارة الحديثة التي تخالف أحكام القرآن.
"إن الحكم القرآني ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنثَيَيْنِ﴾النساء:176 محض العدالة وعين الرحمة في الوقت نفسه نعم، إن ذلك الحكم عدالة؛ لأن الرجل الذي ينكح امرأة يتكفل بنفقتها كما هو في الأكثرية المطلقة. أما المرأة فهي تتزوج بالرجل وتذهب إليه، وتحمّل نفقتها عليه، فتلافي نقصها في الإرث. ثم إن الحكم القرآني رحمة؛ لأن تلك البنت الضعيفة محتاجة كثيراً إلى شفقة والدها وعطفه عليها وإلى رحمة أخيها ورأفته بها فهي تجد -حسب الحكم القرآني- تلك الشفقة عليها من والدها وعطفه دون أن يكدرها حذر، إذ ينظر إليها والدها نظرة من لا يخشى منها ضرراً، ولا يقول بأنها ستكون سبباً في انتقال نصف ثروتي إلى الأجانب والأغيار. فلا يشوب تلك الشفقة والعطف الأبوي الحذر والقلق. ثم إنها ترى من أخيها رحمة وحماية لا يعكرّها حسد ولا منافسة، إذ لا ينظر إليها أخوها نظر من يجد فيها منافساً له يمكن أن تبدد نصف ثروة أبيهما بوضعها في يد الأجانب. فلا يعكر صفو تلك الرحمة والحماية حقد وكدر."32
كما يحاول النورسي أن يدافع بشدة وقوة عن السنة النبوية ويجيب عن الانتقادات التي ربما يوردها المغرضون على مكانتها في التشريع الإسلامي فيثبت أهمية السنة النبوية وضرورتها للجامعة الإسلامية سواء في الناحية السلوكية أو في الناحية التشريعية مجيبا بذلك عما يورده بعض المغرضين المعترضين على مكانة السنة النبوية علميا وعمليا مستهدفين من خلال ذلك إلغاء ثاني مصدري التشريع الإسلامي حتى ينهار بذلك نصف الدين أو أكثر. فإن السنة المصطفوية إذا ألغيت أو ضعفت مكانتها التشريعية يقع الدين بأجمعه في لَبْسٍ ودَلَسٍ. حينئذ تقر أعين أعداء الإسلام والحاقدين عليه جميعا. فترى النورسي متدرعا مدى عمره الطويل المبارك بالحماسة الإسلامية والاعتزاز الإيماني لهذا لم يركع يوما ما أمام الطغاة والبغاة -ولو كانوا في أوج قوتهم وسطوتهم- فيأتي في رسالته (مرقاة السنة) بجل ما يمكن أن يَقْنَع به المؤمن من فنون البيان الخطابي والاستدلالي ومن أنواع الحجة وأصناف الدليل والبرهان.33 فهو رحمه الله لم يأل في ذلك جهدا ولم يخلف بمَلْكِه شيئا فعليك بها تراها بحرا!
6– إيثار البيان الاستيعابي:
ومما نعرف من سيرة الشيخ النورسي رحمه الله نستيقن -كما عرفنا فيما سلف- أنه كان حمولا بهموم المسلمين وغمومهم كما كان خبيرا محنكا وبصيرا مجربا في ما ألصق بالإسلام من اتهامات وأباطيل وافتراآت وأكاذيب شوهت صورته الحسنى وأدلست محاسنه الغراء ونالت من سمعته النقية الزكية فكان من ضروريات الواقع الإسلامي أن يقوم أرباب العزائم العليا ويشمروا عن ساعد الجد دفاعا عن دينهم وكشفا عن صورته الطاهرة أمام الرأي العالمي وكان في رأس هؤلاء الذين يضحون بكل نفيس ونفيس في سبيل دينهم الأستاذ النورسي فجد وجهد وصرف جليلا من دهره وطويلا من عمره في التركيز الكامل على شرح وبيان محاسن الإسلام العقدية والنفسية والروحية والأخلاقية والاجتماعية بجد وصرامة من غير توان ولا فتور. وتحقيقا لهذا الهدف المنشود تجده رحمه الله يسجل بإلحاح كامل وإصرار بالغ مقارنات رائعة بين الحياة الإيمانية الرفيعة التي يعيشها المؤمن وبين الحياة الكفرية الفظيعة التي يرتبك ويتورط فيها الكافر شارحا من خلال ذلك الكثير من محاسن الإسلام الروحية والنفسية والاجتماعية. وخصيصا إن تركيزه على الجانب النفسي ونزوله بين حين وآخر إلى أعماق النفس كي ينبش ما كان مدفونا فيها من الخبايا النفسية والطوايا الروحية جدير بكل إعجاب وتقدير. وكذلك أسلوبه البياني الذي يجد المكتئب فيه بلسما شافيا ومرهما نافعا لاضطراباته الروحية وأحزانه القلبية وقلقه النفسي جدير بالتقدير والإعجاب؛ فإن أسلوبه يتضمن من معاني التعظيم والتبجيل والتعزير والتوقير والرحمة والشفقة ما تهش له القلوب وكذلك يتحلى بالكثير من مثيرات العطف والرأفة والشفقة. إن للنورسي ميزة تبدو على أساليبه الدعوية كافة وهي أن له مقدرة خاصة على صياغة الأسلوب النفسي الذي يؤثر في أعماق النفس الإنسانية بتفعيل مشاعرها الدينية وإثارة عواطفها الإيمانية الجياشة وتحريك أحاسيسها المعنوية وتحبيب الكيان الديني برمته إلى النفوس. فمثلا إذا أمعن النظر في هذه القطعة فهم بسهولة مدى مستوى كفاءة خطاب النورسي في الوصول إلى أعماق النفس الإنسانية الدائخة تحت معاول المادية الشعواء والإلحادية الرعناء إذ يقول: والآن أنظر بنور الإيمان إلى هذه الثمرة الكلية الثانية وذقها لترى كيف أنها أبهجت الكائنات من أولها إلى آخرها وعمرّتها وزيّنتها وحوّلتها إلى مسجد أكبر ومعبد أعظم، فالكون المظلم البارد الذي ليس فيه حياة -كما تصوره مادية العلم والفلسفة- يصبح بالإيمان، كوناً ذا حياة وشعور، ومنوراً ومؤنساً ولذيذاً، فتذيق هذه الثمرة أهل الإيمان شعاعاً من لذة الحياة الباقية وهم لا يزالون في الدنيا كلٌ حسب درجته."34
وكذا دقق النظر في هذا المقطع الآتي كي ترى كيف يضرب النورسي على أوتار الروح والنفس في قضية تحبيب الإيمان إلى القلوب:
"إن الإنسانَ يسمو بنور الإيمان إلى أعلى عليين فيكتسب بذلك قيمةً تجعلُه لائقاً بالجنة، بينما يتردّى بظلمةِ الكفر إلى اسفل سافلين فيكون في وضعٍ يؤهّلُه لنار جهنم، ذلك لأنّ الإيمان يربطُ الإنسان بصانعهِ الجليل، ويربطه بوثاق شديد ونسبةٍ إليه، فالإيمانُ إنما هو انتسابٌ؛ لذا يكتسب الإنسانُ بالإيمان قيمة سامية من حيث تجلِّي الصنعةِ الإلهية فيه، وظهورِ آيات نقوشِ الأسماء الربانية على صفحةِ وجوده. أما الكفرُ فيقطع تلك النسبةَ وذلك الانتسابَ، وتغشى ظلمته الصنعةَ الربانية وتطمِس على معالمها، فَتنقُص قيمةَ الإنسان حيث تنحصر في مادّته فحسب؛ وقيمةُ المادة لا يُعتدّ بها فهي في حكم المعدوم، لكونها فانية، زائلة، وحياتُها حياةٌ حيوانيةٌ مؤقتة."35
وهكذا نجد للنورسي أسلوبا شيقا أخّاذا في تحبيب الإيمان والإسلام إلى القلوب بذكر فضائله وكمالاته وفوائده وثمراته الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية العالية ثم تجده ينحو يمينا ويسارا وجنوبا وشمالا ويتدخل في المجالات العديدة ويتطرق إلى الميادين العديدة يبين ما للإيمان والإسلام فيها من الفضل الكبير والعطاء الجزل في إزاحة الاكتئاب النفسي والقلق الروحي وفي إنماء الراحة الروحية والسكينة النفسية والطمأنينة القلبية كما ترى معطائية النورسي في ذلك في رسالة الاقتصاد36 ورسالة المرضى،37 ورسالة الشيوخ38 ورسالة الحجاب39 ورسالة الحشر،40 ورسالة الشكر،41 ورسالة رائد الشباب، ففي كل واحدة من هذه الرسائل وفي غيرها من كتاباته العديدة المتشعبة حسب شعب الحياة يعرض النورسي بأسلوبه الفذ الذي يتميز به عطاء الإيمان الجزل ببيان ما للإيمان والإسلام من المحاسن السامية والكمالات الراقية والفضائل العالية التي لا تجدها بتلك الكثرة والوفرة إطلاقا إلا في بيدر الإيمان. يلتقط الشيخ النورسي بملقاط ذهنه الوقاد ثمرات الإيمان وفوائده ومصالحه من هنا وهناك بلا كلل ولا ملل. فمثلا استمع إلى هذا النداء الذي يوجهه النورسي لفئة الشباب قائلا: "فيا مَن فُتنتم بزهرة الحياة الدنيا ومتاعها، ويا مَن يبذلون قصارى جهدهم لضمان الحياة والمستقبل بالقلق عليهما! أيها البائسون! إن كنتم ترومون التمتع بلذة الدنيا والتنعم بسعادتها وراحتها، فاللذائذ المشروعة تُغنيكم عن كل شيء، فهي كافية ووافية لتلبية رغباتكم وتطمين أهوائكم. ولقد أدركتم -مما بيناه آنفاً- أن كل لذة ومتعة خارجة عن نطاق الشرع فيها ألف ألمٍ وألم، إذ لو أمكن عرض ما سيقع من أحداث مقبلة بعد خمسين سنة مثلاً، على شاشة الآن مثلما تُعرض الأحداث الماضية عليها لبكى أربابُ الغفلة والسفاهة بكاءً مراً أليماً على ما يضحكون له الآن. فمن كان يريد السرور الخالص الدائم والفرح المقيم في الدنيا والآخرة، عليه أن يقتدي بما في نطاق الإيمان من تربية محمد صلى الله عليه وسلم."42
وكذلك لقلم الشيخ النورسي مقدرة خاصة في الإفصاح عن شرور الكفر ومضرات العصيان ومثالب الجحود والإلحاد وله كفاءة متميزة في إبراز ما يعانيه ذوو الكفر والضلال وأصحاب الذنوب والعصيان من الشقاء الروحي والقلق النفسي والألم القلبي ومن الخوف والفزع والهلع. فأسلوبه فريد في الإبانة عن مساوئ الكفر وأضرار الإلحاد ورادع وزاجر ومنفر عنه بتعداد مثالبه وذكر معايبه وسرد فضائحه وإبراز رذائله ربما لا تجد ذلك عند غيره من فطاحل العلماء بهذا الإحكام والإفصاح. وأخيرا لا آخرا فلنستمع إلى هذه القطعة العسجدية من الحوار الذي أجراه مع بعض الشباب إذ يقول: "فالحياة، إن كانت خالية من الإيمان، أو فَقَد الإيمانُ تأثيره فيها لكثرة المعاصي، فإنها مع متاعها ولذتها الظاهرية القصيرة جداً تذيق الآلام والأحزان والهموم أضعافَ أضعافِ تلك المتع والملذات، ذلك لأن الإنسان -بما مُنح من عقل وفكر- ذو علاقة فطرية وثيقة بالماضي والمستقبل فضلاً عما هو عليه من زمان حاضر حتى إنه يتمكن من أن يذوق لذائذ تلك الأزمنة ويشعر بآلامها، خلافاً للحيوان الذي لا تعكر صفو لذته الحاضرة الأحزانُ الواردة من الماضي ولا المخاوف المتوقعة في المستقبل، حيث لم يمنح الفكر."
"ومن هنا فالإنسان الذي تردّى في الضلالة وأطبقت عليه الغفلة تفسد متعتُه الحاضرة بما يردُه من أحزان من الماضي، وما يرده من اضطرابٍ من القلق على المستقبل. فتتكدّر حياتُه الحاضرة بالآلام والأوهام، سيما الملذات غير المشروعة، فهي في حكم العسل المسموم تماماً.أي إن الإنسان هو أدنى بمائة مرة من الحيوان من حيث التمتع بملذات الحياة. بل إن حياة أرباب الضلالة والغفلة، بل وجودهم وعالَمهم، ما هو إلاّ يومهم الحاضر."43
7– تنظيف العقلية العلمية الإسلامية:
إن من أهم الآليات التي وظّفها النورسي في الخطاب الدعوي تجاه ما يجابهه من تلك الأحداث الجسام والزلازل الفكرية العظام والتشويشات الذهنية التي تعرض لها العقل الإسلامي في عصره في ساحات العلوم الشرعية وخصيصا في التفسير والحديث وغيرهما هو تنظيف تلك الساحات العلمية الإسلامية وتطهيرها مما علق بها عبر الزمن من أوضار التاريخ من الإسرائليات والانحرافات والأباطيل وغيرها. فإن التاريخ الإسلامي مثل غيره من التواريخ لم يسر على خط مستقيم بل سار سيرا مملوءا متذبذبا فيه كثير من الصعود والنزول ومن خلال ذلك السير الطويل شاب الحصيلة العلمية الإسلامية كثير من المواد الدخيلة التي لا صلة لها بتلك العلوم إلا صلة هامشية لا غير، لأن العقلية الإنسانية كانت ولا تزل تتعثر في دور طفولتها -إلا ما استهدى منها بهدي القرآن- ولم تكن بمستوى أن تميز بين الضار والنافع والصالح والطالح والغث والسمين فكانت تقبل معظم ما ورد عليها من المعارف إن حقا وإن باطلا وإن صدقا وإن كذبا. فاختلطت بالمعارف الإسلامية أمواج هائلة من الإسرائليات والخرافات والأباطيل والأساطير والموضوعات والمحرفات وزاد كمياتِ هذه الأمور اللاعقلانية إقبالُ غوغاء الناس عليها وإنصاتهم إليها بإذعان وتسليم بدون وزن وتقويم. ولم يكن حينذاك قد تكوَّن من العقلية العلمية مقدرةُ أن تغربلها أو تصفيها مما علق بها من تلك الأوضار. ولم يكن لديها من الآليات الفكرية والعلمية والثقافية ما تستطيع أن ترد بها غثها أو تدفع بها عوارها فآل الأمر إلى أن استأنستها جماهير الناس واستساغتها عقولهم بما كانت تجد فيها شيئا من الالتهاء النفسي والانشغال الفكري. وعلى الخصوص إن الأمة العربية -بعد الإسلام- أخذت تحتضن الأقوام الأخرى فدخلت معلومات سائر الملل وعلومها أيضاً رحاب ثقافة المسلمين، ومن هناك وجدت الإسرائيليات المحرّفة منفذاً إلى خزائن خيال المسلمين، فأسالت مجرىً إلى تلك الخزائن، بإسلام عدد من علماء أهل الكتاب كـ "وهب وكعب" فامتزجت الإسرائيليات بالأفكار الصافية، فضلاً عن ذلك وجدت الاحترام والتقدير، لأن الذين اهتدوا من علماء أهل الكتاب قد تكاملوا بشرف الإسلام ونالوا به مكانة فائقة، لذا غدت معلوماتهم الملفقة كأنها مقبولة ومسلّم بها فلم تردّ، بل وجدت آذاناً صاغية لها من دون نقد، وذلك لعدم مصادمتها بأصول الإسلام ولأنها كانت تروى كحكايات لا أهمية لها... ولكن يا للأسف. قبلت تلك الحكايات بعد فترة من الزمن كأنها حقائق وأصبحت سبباً لكثير من الشبهات والشكوك. 44
إضافة إلى أن النورسي ذكر في صيقله والبعض الآخر من سائر كتبه طرفا من الأسباب التي سببت فتح مجاري وقنوات للإسرائيليات إلى التراث الإسلامي من مثل قوله: "من سجية البشر ميل التزيد مما التذ به وميل المجازفة فيما وصف والمبالغة فيما حكى...فقد يتولد النقصان من حيث يزيد والذم من حيث يمدح... ألا ترى من استحسن دواء فازداد انقلب داء... ومن زاد على انشقاق القمر نزوله إلى الأرض ودخوله في الجيب كيف يصير شمس المعجزة الباهرة كالسهى في الخفاء وخسف القمر وفتح للمنكرين باب الإنكار... وبالجملة فاللازم على ذي الدين والحقيقة أن يستغني بقيمة كل ولا يتجاوز ولا يجازف...لأن المجازفة افتراء على القدرة وعدم قناعة بحسن الخلقة"45 فمن أكبر أسباب إضافة الموروثات الإسرائلية حسب ما ارتآه النورسي هو ميل الإنسان للتزيد والمبالغة فيما يحكي ويذكر. كما يرى أن تلك المبالغة هي التي تنزل بقيمة كثير من تلك المسائل التي تسربت الإسرائيلية إليها. فيفيد من ذاك أن من واجبات العقلية الإسلامية في الوقت الراهن تجاه تلك المبالغات والمجازفات أن تشمر عن ساعد الجد وتطهر المعلومة الإسلامية عن جميع ما علق بها من الموهومات المموهات.
كما لم يهمل الشيخ النورسي أن يشرح سبب نسبة كثير من ذلك الموروث الإسرائيلي إلى الذين لهم جلالة العلم والعقل والفكر من أمثال ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد بن جبر وغيرهم من كبار السلف الصالح، رضي الله عنهم، فقال "إن من سجية البشر نسبة الغرائب أو ما فيه قيمة إلى من اشتهر بجنسها ليروج عنه أو لئلا يكذب أو لأغراض أخر مع أنه لو عرض المنسوب على نظر الناقد الذي يبصر وراء الحسن السطحي إخلاله لموازنة تناسب حسن صنعته التي اشتهر بها لأعرض عنها وتبرأ واشمأز."46 وهذا سبب وهناك سبب آخر أيضا لنمو ذلك المحصول الخرافي عبر التاريخ وهو أن تلك الشخصيات الأسطورية التي أضيفت إليها كثير من تلك الأساطير والأباطيل إنما بلغت أشدها عبر التاريخ انطلاقا من قاعدة: "إذا ثبت الشي

Yıl 2011, Cilt: 4 Sayı: 4, - , 01.12.2011

Öz

Toplam 0 adet kaynakça vardır.

Ayrıntılar

Birincil Dil Arapça
Bölüm ARTICLES
Yazarlar

أ.د. محمد خليل جيجك Bu kişi benim

Yayımlanma Tarihi 1 Aralık 2011
Yayımlandığı Sayı Yıl 2011 Cilt: 4 Sayı: 4

Kaynak Göster

APA جيجك أ. م. خ. (2011). ملامح تجدد خطاب النورسي في مواجهة تحديات العصر. النور للدراسات الحضارية والفكرية - AL-NUR Academic Studies on Thought and Civilization, 4(4).
AMA جيجك أمخ. ملامح تجدد خطاب النورسي في مواجهة تحديات العصر. النور للدراسات الحضارية والفكرية - AL-NUR Academic Studies on Thought and Civilization. Aralık 2011;4(4).
Chicago جيجك أ.د. محمد خليل. “ملامح تجدد خطاب النورسي في مواجهة تحديات العصر”. النور للدراسات الحضارية والفكرية - AL-NUR Academic Studies on Thought and Civilization 4, sy. 4 (Aralık 2011).
EndNote جيجك أمخ (01 Aralık 2011) ملامح تجدد خطاب النورسي في مواجهة تحديات العصر. النور للدراسات الحضارية والفكرية - AL-NUR Academic Studies on Thought and Civilization 4 4
IEEE جيجك أ. م. خ., “ملامح تجدد خطاب النورسي في مواجهة تحديات العصر”, النور للدراسات الحضارية والفكرية - AL-NUR Academic Studies on Thought and Civilization, c. 4, sy. 4, 2011.
ISNAD جيجك أ.د. محمد خليل. “ملامح تجدد خطاب النورسي في مواجهة تحديات العصر”. النور للدراسات الحضارية والفكرية - AL-NUR Academic Studies on Thought and Civilization 4/4 (Aralık 2011).
JAMA جيجك أمخ. ملامح تجدد خطاب النورسي في مواجهة تحديات العصر. النور للدراسات الحضارية والفكرية - AL-NUR Academic Studies on Thought and Civilization. 2011;4.
MLA جيجك أ.د. محمد خليل. “ملامح تجدد خطاب النورسي في مواجهة تحديات العصر”. النور للدراسات الحضارية والفكرية - AL-NUR Academic Studies on Thought and Civilization, c. 4, sy. 4, 2011.
Vancouver جيجك أمخ. ملامح تجدد خطاب النورسي في مواجهة تحديات العصر. النور للدراسات الحضارية والفكرية - AL-NUR Academic Studies on Thought and Civilization. 2011;4(4).